
وهي طفلة صغيرة، اعتادت بوليني أوديون – التي ستعرف لاحقًا باسم نجمة إبراهيم – أن ترافق شقيقتها سيرينا إلى كازينو منيرة المهدية. هناك، كانت تقف مأخوذة بالسحر الذي يملأ المكان، تستمع إلى الغناء، وتراقب الأضواء، وما إن ينتهي العرض حتى تنطلق راكضة بين الكواليس، تتابع الفنانين والفنانات، وتحلم باليوم الذي تصبح فيه واحدة منهم، نجمة يعرفها الجميع.
يوماً بعد يوم، تعلّق قلب نجمة بأجواء المسرح، حتى صار الفن بالنسبة لها قدرًا لا مهرب منه. ومع مرور السنوات، كبرت الطفلة، وكبرت معها الموهبة والطموح. وبفضل صوتها أولاً، ثم بدعم شقيقتها سيرينا ثانيًا، وجدت طريقها إلى فرقة نجيب الريحاني، أحد أهم رواد المسرح في مصر.
في تلك الفترة، كان الريحاني يقدم لونًا مسرحيًا فريدًا أطلق عليه اسم «فرانكو آراب»، يقوم على المزج بين الغناء والرقص والاستعراض. وبما أن نجمة كانت تمتلك صوتًا جميلًا، وبما أنها أرادت أن تسير على خطى شقيقتها سيرينا التي سبقتها إلى عالم الفن، التحقت بالفرقة كمطربة، وبدأت تشارك في العروض الغنائية.
ومع العروض الأولى، اتسعت أحلام نجمة، وتخيّلت نفسها مطربة كبيرة أو ممثلة لامعة في المسرح الغنائي. لكن الزمن كان له رأي آخر؛ إذ بدأ هذا اللون المسرحي في التراجع، ما دفع نجمة إلى إعادة التفكير في مسارها الفني. وعلى غرار شقيقتها سيرينا، قررت أن تترك الغناء وتتجه إلى التمثيل.
التحقت أولًا بفرقة رمسيس، لكن الخلافات الداخلية دفعتها إلى مغادرتها. ثم انضمت إلى فرقة فاطمة رشدي وعزيز عيد، غير أن المشكلات لاحقتها مرة أخرى، فغادرت هذه الفرقة أيضًا. حاولت بعد ذلك أن تشق طريقها باستقلالية، فكوّنت فرقة مسرحية خاصة بها، إلا أن التجربة لم تستمر طويلًا، لتقرر حل الفرقة والبحث عن محطة جديدة.
وكانت هذه المحطة هي كازينو بديعة مصابني، حيث شاركت في تقديم الاسكتشات الكوميدية، وغنت مقطوعات صغيرة بين الفصول. والمفارقة اللافتة أن نجمة إبراهيم، التي ستُعرف لاحقًا بأنها رمز القسوة والشر في السينما المصرية، بدأت في هذا المكان بتقديم الكوميديا، وهو ما يبدو اليوم أقرب إلى المفارقة المدهشة.
استمرت نجمة فترة في كازينو بديعة، ثم غادرته بعد خلافات معتادة في الوسط الفني، لتلتحق بعدها بـ الفرقة القومية. وهناك جاءت اللحظة الفارقة في مسيرتها. فقد حضر إلى الفرقة مخرج فرنسي يُدعى فلندر لإخراج مسرحية جديدة، وكان يواجه أزمة حقيقية في اختيار ممثلة لدور امرأة في الستين من عمرها. جميع ممثلات الفرقة رفضن الدور، باستثناء نجمة إبراهيم، التي قبلته دون تردد، قائلة: «هذا تحدٍ… وأنا قدّ التحدي».
قدّمت نجمة الدور بإتقان لافت، فأدهشت الجميع، ولفتت أنظار المخرجين والنقاد. ومنذ تلك اللحظة، بدأت العروض تنهال عليها لأداء أدوار النساء القاسيات، الظالمات، ذوات القلوب المتحجرة. أدوار وجدت فيها نجمة مساحتها الحقيقية، وأبدعت فيها إلى حد أن الجمهور صدّقها تصديقًا كاملًا.
بلغ تأثير أدائها حدًّا جعلها، كلما حضرت عرضًا خاصًا لأحد أفلامها، تواجه جمهورًا يسبّها ويلعنها، لا لشخصها، بل لشدة ما كرهوا الشخصية التي جسدتها. وهكذا، تحولت الطفلة التي كانت تجري بين الكواليس حالمة، إلى واحدة من أكثر الممثلات تأثيرًا وإثارة لمشاعر الجمهور في تاريخ الفن المصري.






